ابن الجوزي

52

صيد الخاطر

واني تأملت أكثر أهل الدين والعلم على هذه الحال ، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم ، فلما احتاجوا إلى نفوسهم ذلوا ، وهم أحق بالعز ، وقد كانوا قديما يكفيهم من بيت المال فضلات الاخوان ، فلما عدمت في هذا الأوان ، لم يقدر متدين على شيء إلا ببذل شيء من دينه ، وليته قدر ، فربما تلف الدين ولم يحصل له شيء . فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه ، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم ، أو مداهنة جاهل ، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة ، الذين يدعون في الفقر ما يدعون . فما الفقر الا مرض العجزة ، وللصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض . اللهم إلا أن يكون جبانا عن التصرف ، مقتنعا بالكفاف ، فليس ذلك من مراتب الابطال ، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد ، وأما الكاسب ليكون المعطي لا المعطى ، والمتصدق لا المتصدق عليه ، فهي من مراتب الشجعان الفضلاء . ومن تأمل هذا علم شرف الغنى ومخاطرة الفقر . 16 - لا تأسف على ما فات تأملت أحوال الفضلاء ، فوجدتهم في الأغلب قد بخسوا من حظوظ الدنيا ، ورأيت الدنيا غالبا في أيدي أهل النقائص ، فنظرت في الفضلاء ، فإذا هم يتأسفون على ما فاتهم مما ناله أولوا النقص ، وربما تقطع بعضهم أسفا على ذلك ، فخاطبت بعض المتأسفين فقلت له : « ويحك تدبر أمرك ، فأنت غالط من وجوه أحدها ، انه إن كانت لك همة في طلب الدنيا ، فاجتهد في طلبها تربح التأسف على فوتها ، فان قعودك متأسفا على ما ناله غيرك ، مع قصور اجتهادك غاية العجز . والثاني ، إن الدنيا إنما تراد لتعبر لا لتعمر ، وهذا هو الذي يدلك عليه علمك ويبلغه فهمك ، وما يناله أهل النقص من فضولها يؤذي أبدانهم وأديانهم ، فإذا عرفت ذلك ثم تأسفت على فقد ما فقده أصلح لك ، كان تأسفك عقوبة لتأسفك على ما تعلم المصلحة في بعده ، فاقنع بذلك عذابا عاجلا ، إن سلمت من العذاب الآجل . والثالث ، انك قد تعلم بخس حظ الآدمي في الجملة ، من مطاعم الدنيا ولذاتها بالإضافة إلى الحيوان البهيم ، لأنه ينال ذلك أكثر مقدارا مع أمن ، وأنت تناله مع خوف وقلة مقدار ، فإذا ضوعف حظك من ذلك لجنسك كان لاحقا بالحيوان البهيم من جهة انه يشغله ذلك عن تحصيل الفضائل ، وتخفيف المؤن يحث صاحبه على نيل المراتب ،